محمد محمود حبيب يكتب: خدعوك فقالوا الحسابات الفلكية تتعارض مع الرؤية

نشرت من قبل admin1 في

محمد محمود حبيب يكتب: خدعوك فقالوا الحسابات الفلكية تتعارض مع الرؤية

الحساب الفلكى القطعى لا يمكن أن يعارض الرؤية البصرية الصحيحة، وبالرغم من أن الأصل هو الرؤية، إلا أن الحساب مهم لأنه يُستأنس به ويُعتبر دليلًا مساعدًا، وهذا يعنى أن الحساب ينفى ولا يثبت، بمعنى أن الحساب يعضد الرؤية فى نفى وجود الهلال أصلًا ولا يثبت الرؤية ، والعجيب أننا نجد بعض المتشددين كداعش وغيرهم يرفضون اللجوء أو الاستعانة بالحساب الفلكى فى رؤية الأهلة مطلقًا استنادًا لحديث ” إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ ” .؟!

والحديث إخبار عن واقع لحادثة فى عصره (صلى الله عليه وسلم )، فقد كان اليهود يعملون بالتقويم القمرى كذلك وليس الشمسى ، وكانت لهم طريقة غير دقيقة فى الحساب الفلكى تعتمد على حساب المطلع الفلكى للقمر ، وكان العرب آنذاك أمةٌ أمية لا يعرفون الكتابة ولا الحساب. فمن الطبيعى أن يرفض رسول الله عرض اليهود بحساب مطالع الشهور والذى يعتمد على التقويم العبرى  .

أما القول بأن الرؤية لا تكون إلا بالعين وليس باستخدام المناظير الحديثة ، فهذا يرد عليه بأن الرؤية فى اللغة العربية تحتمل كل ذلك بل أكثر . فالله سبحانه وتعالى يقول : ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ ( سورة الفجر آية 6) . ومعلوم أن الرسول (صلى الله عليه وسلم )  لم ير الحادثة “بعينه” بل بالإخبار، فتأمل. فإذا كان الإخبار بمرتبة اليقين، صح لك أن تقول أنك رأيت الأمر.

والحساب آلة للتثبت من صحة الرؤية ، وليس بديلاً عنها. فكلام المتخصصين من الفلكيين مُقدَّمٌ على رؤية منفرد عامى ليس من أهل الاختصاص ما دام الحساب يقضى بالاستحالة ، والمراصد تنفى وجود الهلال . وأهل الاختصاص خرجوا و لم يروا شيئاً. فإذا جاء رجل وقال لقد رأيت الشمس تغرب الساعة 3 بعد الظهر (وأنت تعلم أن وقت الغروب الرابعة والنصف)، فهل تصدقه حتى لو كان ثقة؟ أم تبحث عن سبب الخطأ فى توهمه الرؤية ومنها:

 (1) يحتمل أن يكون المرئى نجما أو كوكباً قريباً من الشمس فى حجم نقطة تُظن هلالاً.

(2) يحتمل أن يكون السبب ضعف فى البصر.

(3) يحتمل أن تكون الرؤية لطائرة نفاثة، أو مركبة فضائية، أو قمرٍ صناعي

(4) يحتمل أن تكون حالة جوية كعاصفة أو سحابة أو سراب.

(5) يحتمل أن تكون حالة نفسية حيث إن المتحرى يتوهم إليه شيء فيعتقده حقيقة .

 (6) يحتمل الكذب فى ذلك وهذا أبعد الاحتمالات إلا أنه قد يقع.

 و الخطأ وارد على الإنسان خاصة فى أمر دقيق كهذا. وهو موجود فى كل العصور، لكنه فى هذا العصر أكثر. فالسماء فى وقتنا المعاصر ليست كالسماء قبل ألف سنة.

والعمل بالحساب الفلكى ليس أمر محدثًا ولا مبتدعًا بل لقد عمل بالحساب (على اختلاف فى التفصيل) بعض الفقهاء. وأقدمهم مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو ثقة عابد فاضل من كبار التابعين ولد فى حياة النبى (صلى الله عليه وسلم ).

وقد قال محمد بن سيرين: «خرجت فى اليوم الذى شُكّ فيه، فلم أدخل على أحدٍ يؤخذ عنه العلم إلا وجدته يأكل، إلا رجلاً كان يحسب ويأخذ بالحساب». فهذا مثال قديم على معرفتهم بالحساب.

 وقد قال ابن رشد فى كتابه بداية المجتهد: «وروى عن بعض السلف أنه إذا أغمى الهلال رجع إلى الحساب بمسير القمر والشمس».

وقد قيل أن أنس بن مالك حضر مع جماعة لرؤية الهلال وكان معهم إياس ابن معاوية فلم يره أحد منهم غير أنس بن مالك الذى قال إنه رآه مع أنه كبير السن، وأشار أنس الى الجهة التى قـــــــال عنها إنه رأى الهلال فيها فتطلعوا جميعاً إلى تلك الناحية فلم يروا شيئا. ومنهم من هو أقوى نظراً من أنس ، وهنا التفت إياس – وكان  ذكيا حاضر البديهة – ونظر إلى عينى أنس فرأى على إحداهما شعرة وقد تدلت من حاجبه ، فمسح إياس حاجب أنس بيده حتى سواه وقال له : أرنى الهلال الآن، فقال أنس: لا أنظره الآن“.!

والخلاصة: لا تعارض مطلقًا بين علم الفلك المتمثل فى الحساب وبين الشرع المتمثل فى الرؤية الشرعية؛ فالعلمان متكاملان وليسا متعارضين، ولا عجب فى ذلك فنحن أمة اقرأ المأمورة بالأخذ بأسباب العلم المادى الدنيوى المفيد للبشرية بمختلف تخصصاته، والمأمورة بالصيام والفطر لرؤيته بمعنى أن الرؤية أمر تعبدي، كما أن الحساب الفلكى القطعى لا يمكن أن يعارض الرؤية الصحيحة، فلكل منهما مجاله حيث يهتم الحساب الفلكى بولادة الهلال ومكثه فى الأفق بعد غروب الشمس، وليس للحساب الفلكى دور فى إثبات رؤية الهلال بل باستخدام العين وما ينوب عنها من أجهزة حديثة للرؤية كالمناظير والتلسكوبات.

وكل عام وحضراتكم بخير.