أى متابع لديه حد أدنى من المنطق، يلقى نظرة على ما يجرى فى الشرق الأوسط والإقليم من حولنا، يدرك بالعين المجردة كيف تتغير خرائط الصراع، وتتحول الصراعات من حولنا إلى كرات لهب، تنتقل من مكان لآخر بسهولة. مصر لا يمكن النظر لها بعيدا عما يجرى فى الشرق والغرب والشمال والجنوب، وبالرغم من وضوح هذه التفاصيل منذ سنوات وحجم النمو فى الأحداث والتشابكات المشتعلة، فقد كانت هناك أسئلة مطروحة بعضها مشروع بهدف المعرفة، وبعضها ساذج من زاوية الادعاء، والبعض منها خبيث وضمن عمليات تشكيك منهجية، هدفها انتزاع الثقة وإشاعة الارتباك بين المصريين.
أبدى بعض خبراء السذاجة الاستراتيجية انزعاجهم من حجم التطوير المصرى العسكرى، وكان بعضهم ولايزال يطرح أسئلة ساذجة عن أسباب كل هذا، ويضاعف من حيرة هؤلاء تأكيد مصر دائما أنها لا تتدخل فى شؤون الدول الأخرى، وأن قوتها لحماية حدودها واستقرارها، فى ظل إرهاب مدعوم إقليميا ودوليا، وصراعات تدور على الحدود شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، وما يجرى فى ليبيا أو السودان، اليمن وسوريا وفلسطين المحتلة، وحتى فى أوروبا هناك عالم يعاد تشكيله بالقوة أحيانًا وبالخطط والتحركات طوال الوقت. ومصر فى كل هذا طرف فاعل بحكم الجغرافيا والتاريخ والموقع، والأمن القومى المصرى فى كل الاتجاهات، وعلى مصر أن تكون متيقظة لما يجرى فى كل هذه الدول.
وربما تكون الإجابة من التطورات الإقليمية والدولية وحجم وشكل الصراعات والمواقف المتناقضة والغامضة لأطراف دولية قريبة أو بعيدة من مصر السياسة، ويمكن من نفس الزاوية تفهم أهداف المناورات المتكررة للقوات المسلحة المصرية، قادر 2020، أو تعدد القواعد الجوية والبحرية وآخرها افتتاح قاعدة برنيس العسكرية على ساحل البحر الأحمر بالقرب من الحدود الدولية الجنوبية على 150 ألف فدان وتضم قاعدة بحرية وقاعدة جوية ومستشفى عسكريا وعددا من الوحدات القتالية والإدارية وميادين للرماية والتدريب لجميع الأسلحة، وتضم رصيفاً تجارياً ومحطة استقبال ركاب وأرصفة متعددة الأغراض وأرصفة لتخزين البضائع العامة وأرصفة وساحات تخزين الحاويات، بالإضافة إلى مطار برنيس الدولى ومحطة لتحلية مياه البحر، من توقيت الافتتاح ونوعية الحضور من يمكن التقاط رسائلها. وتنضم قاعدة برنيس إلى القواعد الكبرى مثل محمد نجيب وغيرها فى إشارات واضحة لتحركات القوات المسلحة فى محاور متعددة، تجيب بشكل واضح على أسئلة وادعاءات مطروحة.
هناك تحول واسع فى شكل ومضمون السلطة بالعالم، فى ظل ثورة معلوماتية وتكنولوجية، تتيح حروبا دعائية تتوازى مع حروب السلاح، تديرها أجهزة الإعلام الإقليمية والدولية، ومواقع التواصل، ومنها حجم الأخبار والتحاليل المعسولة والتقارير الملونة التى تهدف لصناعة حالة من الارتباك والتلبك المعلوماتى، ومنها ما يدور حول التحولات الحالية فى الإقليم، ويفترض التعامل معها بقيمتها من دون تهوين أو تهويل، وهناك آراء تنتشر بعض الأحيان تحاول تجاهل وجود مساع وتحركات خطرة تتحول إلى تهديد حال تجاهلها.
 ربما تراجعت هذه الأسئلة مؤخرا، بعد تكشف تفاصيل ما يجرى من مناورات سياسية تمتد شرقا وغربا، وهى مناورات تحكمها المصالح الفردية لكل دولة، ويصعب على الدول التى لا تلتفت لذلك، أن تكون قادرة على لعب دور فاعل، وخلال الأيام الماضية وفى ظل تحركات روسية وألمانية فى قضية ليبيا، وما سبقها من محاولات تركية للتهديد بالغزو، كانت مصر حاضرة بفاعلية وبقوة توازى قدرتها على الفعل وليس فقط إطلاق التصريحات، لقد كانت قدرة مصر على الردع، إحدى الأوراق الواضحة فى لعبة التهديد.
بعض هذه القضايا تبدو غير واضحة لقطاعات من خبراء فيس بوك الاستراتيجيين، الذين طرحوا، ومازالوا، أسئلة ساذجة تكشف عن جهل مركب، فضلا عن عدم دراية بما يجرى على الأرض، بعيدا عن الكاميرات والميكرفونات، فى عالم السياسة منذ الحرب الباردة، كانت هناك نظريات «الردع المتبادل» وهى تأكد كل معسكر أن الطرف الثانى قادر على إيذائه وتهديده بنفس القدر، وهذا هو ما صنع التوازن الاستراتيجى ومنع قيام حروب كان يمكنها أن تبيد العالم.
وبالنسبة لمصر فقد كانت رسائلها واضحة فيما يتعلق بالردع، مصر ليست مع التدخل فى الدول الأخرى، ومع حماية الدولة الوطنية، ولهذا لم يثبت على مدى تاريخ مصر الحديث أن مولت أو ساعدت ميليشيات مثلما فعلت دول مثل تركيا أو إيران، وهى رهانات تنتهى بمآس، وفى نفس الوقت تتعامل مصر بندية مع كافة الأطراف، وفى علاقتنا بروسيا أو الولايات المتحدة نحن نتسلح بما يناسبنا، من دون البقاء فى فلك واحد، وهو أمر صعب لكنه يتيح حرية القرار والحركة، ويمنحنا القدرة على حماية مصالحنا، وهى أمور تتم يوميا وعلى مدار الساعة.